السيد كمال الحيدري
60
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه
وهذه القواعد سواءً سمّيناها علم الأصول أم غير ذلك ، نحن بحاجة إليها لتنقيح المراد . المشكلة الثالثة : انتشار ظاهرة النقل بالمعنى ، وهذه من آفات الروايات ( كما هو مبحوث عنه في علم الرجال ) . فالراوي قد لا يكون عربيّاً ، وهذا يعني أنّه قد لا يفهم كلّ ما ورد في كلام الإمام المعصوم ( عليه السلام ) إلّا بالجملة . وإذا فهم الراوي كلام الإمام ( عليه السلام ) فهل يستطيع نقل الكلام مع مراعاة قواعد النحو والصرف والفاعل والمفعول ؟ والحاصل : أنّه سوف ينقل الكلام بالمعنى فقط أو بالمضمون . فهل سيكون نقل الرواية بهذه الطريقة مثل النصّ القرآني ، أو يكون ما فهمه هو من المعصوم ( عليه السلام ) ؟ ولعلّه فهمه كان صحيحاً ، ولعلّه غير صحيح ؟ ولا حاجة بنا إلى استغراب مثل هذا الأمر الذي يجري في محاوراتنا العرفيّة ، فقد يقول أحد العلماء في مجلس درسه كلاماً ، وعندما يخرج التلامذة تجد أنّ كلّ واحد قد يفسّر كلامه بطريقة مخالفة للآخر ، لأنّ كلّ شخص ينقل بحسب فهمه ، وكما نُقِل عن الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) أنّه شوهد في يومٍ من الأيّام مهموماً حزيناً فسألوه عن السبب ، فقال بأنّه جاء إليه أحد تلامذته وانتقده وأشكل عليه بجملةٍ من الإشكالات على ما ذكره في بحثه ودرسه ، وتبيّن للشيخ الأنصاري بأنّ التلميذ إنّما أورد هذه الإشكالات لأنّه لم يفهم مراده . ثمّ علّق الأنصاري على ذلك بالقول : بأنّه لم يتألّم لذلك ، بل إنّه خاف أن يأتيه يوم القيامة أمثال الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى والمحقّق الحلّي والعلّامة وغيرهم ويطالبونه بأنّه فسّر كلامهم بغير مرادهم ومقصودهم . والرواة الذين نقلوا عن الأئمّة ( عليهم السلام ) إذا تفحّصنا أحوالهم ففيهم الجمّال ، والحمّال ، والسمّان ، والخيّاط و . . . وهؤلاء قد يكونون نقلوا الحديث بالمعنى والمضمون ، ولذا كانت ظاهرة النقل بالمعنى من أهمّ المشاكل التي تواجهنا في